fbpx
بوابة البيئة والزراعة

تسخير جزيئات السيليكا النانوية لرفع مناعة النباتات

تُغطي الأراضي الزراعية حوالي 38.4٪ من مساحة الأرض في العالم، إلا أن تلك المساحة تتقلص باستمرار بسبب ارتفاع معدلات التحضر السريع، والتصحر، والتخلي عن الممارسات الزراعية السليمة، وهو أمرٌ سيؤدي حتمًا إلى ندرة الغذاء.

علاوةً على ذلك، يجد المزارعون صعوبةً في جني الأموال الكافية من الممارسات الزراعية التقليدية. فيضطرون إلى استخدام الأسمدة والمبيدات الحشرية ومبيدات الفطريات والأعشاب للحصول على محاصيل وفيرة، لكن ثمة ثمنًا يُدفع مقابل تلك الميزة.

فالمبيدات لها تأثيرٌ سلبي على كلٍّ من الصحة والبيئة، كما أنها تؤدي إلى فقدان التنوُّع البيولوجي وتدهور جودة التربة. لذا يحاول العلماء العثور عن منتجات بديلة تُعظم من قيمة المحاصيل الزراعية، وتحافظ في الآن ذاته على البيئة المحيطة وصحة الإنسان.

ومؤخرًا، ناقشت دراسة نُشرت نتائجها في دورية “نيتشر نانوتكنولوجي” طريقةً جديدةً قد تُسهم مستقبلًا في الحد من استخدام المبيدات الحشرية. وتكون عبر رفع المناعة المكتسبة للنباتات وزيادة قدرتها على مكافحة الآفات، بطريقة تُشبه إلى حدٍّ ما طريقة عمل اللقاحات الطبية مع البشر.

أظهرت نتائج الدراسة إمكانية استخدام تركيبات نانوية مبتكرة لرفع المقاومة المكتسبة في النباتات، وتحفيز جيناتها على مقاومة الكائنات المُمرِضة “دون الإضرار بالنبات أو البيئة المحيطة”. وفق الباحث بقسم النبات والأحياء الدقيقة بكلية العلوم جامعة طنطا وجامعة فريبورغ السويسرية، محمد الشتيحي، المؤلف الأول للدراسة.

كيمياء النانو

قبل سنوات، ظهرت تقنيات “المواد النانوية الكيميائية الزراعية” التي تشير إلى إمكانية اندماج تقنيات النانو مع الكيماويات الزراعية لإنتاج أسمدة ومواد كيماوية نانوية.

اكتسبت تلك المواد شعبيةً بسبب فاعليتها الأعلى، مقارنةً بالكيماويات الزراعية التقليدية. مما جعلها مُجديةً من الناحية الاقتصادية وصديقةً للبيئة في الآن ذاته.

ساعدت التطبيقات النانوية في الزراعة المزارعين على زيادة إنتاجية المحاصيل على مستوى الكيف والكم. وبالتالي يحاول الباحثون في شتى بقاع الأرض تطوير تلك التقنيات لصناعة منتجات يُمكنها زيادة الإنتاج بما يوازي الطلب المتزايد على الغذاء الناجم عن زيادة أعداد السكان.

في النباتات -كما في الإنسان- يمكن أن يؤدي هجوم العوامل المُمْرضة إلى استجابة مناعية تُعرف باسم “المقاومة المكتسبة الجهازية”. التي تحمي من مجموعة واسعة من مسببات الأمراض، يقول “الشتيحي” إن الفكرة الأساسية للدراسة كانت:
“تحميل أحد أنواع الأحماض على جزيئات نانوية، بهدف رفع كفاءة المناعة الذاتية للنبات”.

في طريق البحث عن كيمياويات زراعية أكثر أمانًا، اقترح العلماء مؤخرًا جزيئات السيليكا النانوية كحامل يقوم بتوصيل المواد الفعالة -ومن ضمنها هرمون الدفاع عن النبات المُسمى حمض الساليسيليك- إلى الأجزاء المختلفة في النبات.

“كانت البداية هى محاولة اختبار تلك الطريقة في زيادة فاعلية المقاومة المكتسبة الجهازية للنباتات” كما يقول “الشتيحي” في تصريحاته لـ”للعلم”.

خليط لرفع مقاومة النبات

قام الباحثون بتحضير المحلول المكون من جزيئات السيليكا النانوية وحمض الساليسيليك -جزيئات النانو كحامل والحمض كمادة فعالة- وحَقنها في النبات. وكما توقعوا، نجح ذلك الخليط في رفع مقاومة النبات للآفات والعوامل المُمْرضة، إلا أن “الشتيحي” كان لديه فكرة أخرى.

تسخير جزيئات السيليكا النانوية لرفع مناعة النباتات:

إذ تساءل الباحث عما يمكن أن يحدث في مناعة النبات إذا ما جرى حَقنه بجزيئات السيليكا النانوية فقط.

اختار “الشتيحي” نبات الأرابيدوبسيس لإجراء التجارب، يتميز ذلك النبات بحجمه الصغير، وبالتالي يُمكن زراعته داخل المختبر. بالإضافة إلى نموه السريع الذي يُتيح مراقبة أطواره بسهولة.

لذلك يعتبر الأرابيدوبسيس أحد أهم النباتات في دراسة تطوير النبات. كما أن سجله الجيني -تسلسله الوراثي- معروف بالكامل، وهي أسباب تجعل منه مثاليًّا لإجراء الدراسات العلمية.

قام الباحثون في الدراسة بتغطية النبات بجزيئات السيليكا النانوية، وهي مادة مكونة من ثاني أكسيد السيليكون غير المتبلور. ولها استخدامات عديدة في التطبيقات الطبية الحيوية، ويجري توظيفها في مجال الطب بوصفها موصلًا جيدًا للأدوية، وخاصةً في مجال العلاجات الجينية.

تنشيط الجينات المُقاومة للأمراض

حقن الفريق البحثي أوراقًا معينة في النبات، أرسلت تلك الأوراق إشارات كيميائية للأوراق البعيدة عن موطن الحَقن. ولاحظ الباحثون أن تلك المادة تعمل على تحفيز عوامل كيميائية داخل النبات.

إذ تنشط بشكل كبير الجينات المُقاومة للكائنات الممرِضة ما يُكسب النبات قدرةً كبيرةً على مواجهة الأمراض.

“يشبه الأمر تحفيز المناعة البشرية وتنشيطها بالمواد المختلفة لمواجهة الأمراض”، يقول “الشتيحي”. مشيرًا إلى أن قدرة جزيئات السيليكا النانوية -بمفردها- على تحفيز جينات الأرابيدوبسيس لمواجهة الأمراض “كانت مفاجأة غير متوقعة”.

لكن، ما الذي يجعل ذلك الاكتشاف واعدًا ومهمًّا؟

هناك العديد من الطرق التي يمكن استخدامها لحث النبات على تكوين مناعة مكتسبة، من ضمنها حقن أوراقه بحمض الساليسيليك أو حمض البايبكوليك، إلا أن الطريقتين لهما سوءاتهما.

فحمض الساليسيليك يتحول إلى مركب ذي طبيعة سمية إذا ما تم استخدامه بمستويات كبيرة. أما حمض البايبكوليك فغالي الثمن بشكل لا يمكن أن يطيقه معظم المزارعين الراغبين في تقليل تكاليف الإنتاج، خاصةً في ظل أسعار المنتجات الزراعية المتدهور.

أما جزيئات السيليكا النانوية فتقع على طرفي نقيض.

استدامة وحماية

أظهرت النتائج أن التركيزات المختلفة من السيليكا لا تؤثر على نمو النبات. كما لا تسبب أي سمِّية له حتى بتركيز أعلى بعشرة أضعاف من الحد الأدنى للجرعة اللازمة لحماية النبات.

يعني ذلك أن لها نطاقًا علاجيًّا أوسع من المواد الأخرى، كما أن طرق تصنيعها سهلة وبسيطة، ما يجعل تكاليفها أقل من تكاليف استخدام المواد الأخرى.

كما تتميز تلك المادة بتحلُّلها السريع في التربة. والأهم من ذلك كله أنه “يمكن دمجها مع المبيدات الأخرى لتحقيق فائدة مزدوجة”.
وهو ما يَعِد بتقديم إستراتيجية فعالة من حيث التكلفة، وكونها آمنةً للمستهلك، ومستدامة لحماية النباتات من مسببات الأمراض.

يقول الباحث في مجال المواد الكيميائية النانوية الزراعية بجامعة فرايبورج السويسرية، ديفيد بوسرت:
إن نتائج الدراسة “تبدو واعدة”، إلا أنه يرى ضرورة التعامل معها بحذر، “لحين بدء مجموعة أخرى من التجارب على نباتات استهلاكية”.

يتفق “الشتيحي” مع “بوسرت”، مشيرًا إلى أنه بالفعل يعمل على مجموعة من التجارب على نباتات الذرة والبطاطس.

منذ سنوات، أخذ أسهم النباتات المعدلة جينيًّا لمقاومة الآفات الزراعية في الارتفاع. وطرحت بالفعل في الولايات المتحدة الأمريكية بذورٌ لنبات ذرة أقوى تحملًا للظروف البيئية المختلفة ومقاوم بشكل جزئي لمجموعة من الآفات.
هل يعني ذلك أن استخدام المواد الكيميائية المختلفة لرفع المناعة المكتسبة للنبات أصبح أمرًا غير ذي جدوى؟

يجيب “بوسرت” عن تساؤل “للعلم” بـ”لا”؛ فعلى الرغم من تقدم التقنيات الخاصة بالتعديل الجيني للبذور، إلا أنها لم تصل إلى “الكمال”.

كما أن البذور الزراعية المُعدلة جينيًّا “تحظى برفض بعض الفئات لاعتقادهم بضررها. لدرجة دعت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى إلزام منتجي تلك المواد بوضع عبارة واضحة تفيد بأن منتجاتهم تم التلاعب بها جينيًّا”.

يتفق “الشتيحي” مع رأي “بوسرت” بالكامل، مضيفًا أن هناك مشكلةً أخرى:
“فبعض الكائنات الممْرِضة تكتسب مقاومةً لآليات النبات المناعية المعدلة جينيًّا، وبالتالي تصبح للآفة قدرة فائقة على إلحاق ضرر بالمحصول بعد عدة دورات زراعية”.

دمج من أجل الإنتاجية

يحارب المزارعون الآفات والكائنات المُمْرضة بالمبيدات. يؤكد “الشتيحي” أن مسار عمله يختلف بشكلٍ ما عن مسار عمل المبيدات

يقول الباحث المصري: “إن المبيدات تقضي بشكل كامل على الكائنات المُمرضة، وتأثيرها أكبر بكثير من جزيئات السيليكا”.

فالزراعات التي تم رشها بالمبيد “ستعطي إنتاجًا أفضل”. إلا أنه على الرغم من أن استخدام جزيئات السيليكا النانوية وحدها سيجعل إنتاجية الفدان أقل، “إلا أن المخاطر البيئية والصحية ستكون أقل هي الأخرى”.

“ذلك هو الثمن الذي يجب أن تدفعه إذا ما قررت الحصول على منتجات عضوية بالكامل دون استخدام المبيدات”، يقول “الشتيحي”.

لكن عند الرجل رؤية تجعلنا نمسك العصا من المنتصف. فعوضًا عن استخدام المبيدات بمفردها أو جزيئات السيليكا بمفردها يمكن دمج النوعين بعضهما مع بعض للحصول على محصول وفير وصحي في الآن ذاته.

يقول الشتيحي: “نحن نبحث عن الاستدامة وعن الحفاظ على جودة الأراضي الزراعية وحفظ نصيب الأجيال القادمة فيها. علاوة على تقليل تلوث المحاصيل بالمبيدات. قد يؤدي الدمج إلى تحقيق تلك الإستراتيجية فعبره يمكننا المحافظة على الإنتاجية وفي الوقت نفسه تقليل استخدام المبيدات الضارة”.

للاطلاع على المزيد من مقالات عالم البيئة والزراعة من خلال الضغط هنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى